حلم غريب

الليلة الماضية راودني حلم غريب كالعادة، لكن الجديد أني تذكرت تفاصيله بوضوح وما زلت أذكرها وهذا ما لم يحدث من قبل، كانت هذه الأحلام تراودني  في الماضي، وكثيرا ما تمنيت أن أستغلها فأكتب منها قصصا أو روايات، لكني كنت أصحو على رماد ذكراها كانت تماما كتلك الرسائل التي تتلف ذاتيا بعد خمس ثوان من قراءتها في قصص الجواسيس، أما هذا الحلم فقد علق بذاكرتي بشكل غريب كأنما يحرضني على العودة لحلمي الواقعي أن أغدو كاتبا مغامرا كهمنغواي أصول وأجول في  الواقع كما على الورق، إذ رأيت غابة كثيفة جدا يتوسطها نهر عظيم ومن بعيد لمحت قاربا يقترب، وعلى الضفة وقف رجل غريب الثياب يرتدي ثوبا فضفاضا  مشقوق الصدر تبرز منه عظامه الهزيلة،يتوسطه حزام عريض وله قلنسوة تخفي ملامح الرجل لكن حين حانت منه التفاتة نحوي - ولست أعرف أين كنت أقف حتى، أغلب الظن أني كنت في موقع المشاهد العادي لأي فيلم- رأيت وجها شاحبا جدا مشوها بشقوق غريبة كأنما نمت تحت جلده أو ربما ولد هكذا، رسا القارب أمام الرجل مباشرة ويا للغرابة كانت به معزاة بيضاء جميلة تمسك عصا تشبه المجداف تحرك بها القارب ترافقها قطة وديعة، قفزت المعزاة في تبرم وسمعتها تقول سأنجح قريبا في مغادرة هذا المكان. واختفت داخل الغابة والقطة تتبعها ،بينما راقبها الرجل بصمت وفجأة تغير الجو وظهر ما يشبه موجة تسونامي لكن دون أن تهاجم الضفة أو تحدث أي خسائر ولم يتسن للرجل أن يبدي أي رد فعل حين خرجت من الموجة عجوز شمطاء متجعدة الملامح كخوخة لها مئة عام مرمية في ركن ما، نظرت العجوز إليه وقالت أعرف بم تفكر وسأساعدك، تأملها  قبل أن يدرك أنها ساحرة شمطاء، في حين حركت هي عصاها نحو الأعلى وأدارتها وهي تهمهم بطلاسم غريبة، ثم وجهتها نحوه فانطلق منها شعاع كالبرق ظننته سيصعق لكن واضح أن الشعاع كان لطيفا فقد حدث السحر عينه أمام عيني، تحولت بشرة الرجل إلى بشرة ناعمة انقلبت معها ملامحه إلى وسامة إغريقية، بشعر أشقر تنزلق منه غرة كثيفة على عيني الرجل، ثم حركت الساحرة عصاها مجددا وجهتها نحو صدره، فانتفخ بعضلات ضخمة كصدر سباح محترف، ولطرافة الموقف شعر الرجل بالخجل فاستدار كلية بظهره نحو الغابة، ويبدو أن العجوز قد أحبت أن تتشاقى قليلا فأشارت إلى مؤخرته بعصاها فانتفخت على الفور بشكل مبالغ فيه فالتفت بذعر وتحسسها ثم بحركة كارتونية خدشها بأظافره الطويلة المخيفة فتقلصت كبالون افرغ من الهواء فبدت أكثر تناسقا وجاذبية.
استيقظت والصورة محفورة بداخلي ولم استطع نسيانها، عادة لا أهتم للأحلام ولا لتفسيرها، لكن الحقيقة أن هذا الحلم الذي يبدو مجرد هلوسة ليلية لشاب شاب في ربيع العمر بعد أن تورط في قضية أخلاقية وجد نفسه بعدها متزوجا من امرأة لا يعرف عنها شيئا، سوى أنها كانت حبيبة صديقه الوغد الذي لطخ شرفها وفر بعد أن فضح أمره. لقد بت مقيدا بسلسلة ضخمة ترسو في قاع الإحباط وتخنقني، من يدري ربما كان هذا الحلم رسالة لي يخبرني أني لا يجب أن أستسلم كتلك المعزاة وأتراجع من منتصف الطريق ولا أن انتظر الحلول السحرية.
هبت ليلى مندفعة نحو الحمام وهي تمسك بطنها وتضع يدها على فمها، حاولت إغلاق أذني لئلا أسمع صوت تقيؤها المقرف لكني لم استطع، فالصوت كان يخترق طبلة أذني شغلت التلفاز، وسحبت علبة سجائري من الطاولة بجانبي ورحت أفكر بم سأقوله لها حين تنهي وصلتها الصباحية تلك. بعد ربع ساعة تقريبا خرجت مصفرة الملامح كحبة بلح كانت تمشي بصعوبة، جلست على حافة السرير وراحت تجفف العرق عن وجهها وعنقها العاجي، وقفت أتأمل حسنها بذهول فقد بدت جذابة جدا رغم حالتها المزرية تلك، أطفأت سيجارتي وجلست قربها، مررت يدي على شعرها برفق فرفعت نظرها إلي وهي تبتعد مشمئزة، أغضبني تصرفها وتذكرت ما قررت  فقلت لها:  يجب أن تجهضي هذا الطفل في أسرع فرصة.
نظرت إلي بغضب واحمرت عيناها بسرعة :أجهضه؟ هل سمعتك جيدا، من أعطاك الحق لتطلب مني أن اقتل ابني.... واختنق صوتها بالدموع التي انهمرت خطا على خدها. قلت لها تعلمين سبب زواجي بك ولا أريد لهذا الطفل أن يربطنا أكثر. قالت بتهكم: أصلح أن أكون تسليتك ولا أصلح أن أكون أما لأطفالك... يا لك من وغد لا تختلف أبدا عن صديقك. كان لوقع هذه الكلمة مفعول الفتيل المشتعل في نفسي فصرخت بها بصوت جعلها تنكمش أمامي: ليلى... إياك أن تذكريه أمامي مرة أخرى.
أنا لم أعد أعرف نفسي كيف تحولت إلى هذه الدرجة، من هذا الذي يصرخ بوجه امرأة ضعيفة، ولديه استعداد لضربها، سحبت نفسي تلك من أمامها بسرعة مغادرا الغرفة كلها، جلست في الصالون ساهما أحدق في الفراغ تلتهمني أفكاري السوداء، أمسكت رأسي بيدي محاولا ببؤس تفتيته عسى أن تتوقف تلك الأفكار أنا لا أريد أن أكون أبا... لا لست مستعدا، لن آتي بطفل لهذا العالم، أفضل إثم قتله على إثم جلبه لهذه الحياة ليتذوق فيها ألوان العذاب. تعالت قهقهة صوت آخر: حقا هل تصدق نفسك، من أين لك هذه المثالية كلها، أنت لا تريد تحمل المسؤولية فقط، تخشى أن تنضج، كان زواجك غلطة لا تريدها أن تتعمق بطفل يربطك بهذه المرأة للأبد. صرخت يا إله السموات.  وقمت من مكاني ورحت اذهب وأجيء كمعتوه أضاع شيئا يتعلق به بشدة.
فقبل ستة أشهر بدأ كل شيء حين ظهرت ليلى أمامي في العمل دون سابق إنذار، أحرجني وجودها ولعنت فراس والساعة التي عرفته فيها، كانت تحمل حقيبة يدها لكنها بدت لي منتفخة أكثر من الحد الطبيعي لحقيبة عادية، وصعقت بها تخبرني أنها قررت الهرب مع فراس وأنه طلب منها أن تأتي إلي للعمل. وماذا سأفعل لك؟ قلت لها مستنكرا فردت بسذاجة: توصلني إليه، لم اقل كلمة أخرى لها وهذا ما اندم عليه إلى الآن، بعد انتهاء دوام عملي أخذتها إلى شقة فراس ليتضح لي أنها كانت تكذب فلم يطلب منها المجيء ولم يتفقا على شيء،بل أدركت أن فراس ينوي استغلالها فقط، لذا فقد تشاجرنا بعنف وانتهى الشجار بلكمة قوية على فكي من فراس لأغادر غاضبا وأنا أسحب ليلى ورائي. و لأن المصائب لا تأتي فرادى فقد صادفتنا دورية شرطة فاشتبهوا بأمرنا على الفور، خصوصا عندما بدأت ليلى بالبكاء. كانت الفضيحة مدوية فسرعان ما تم استدعاء أهلنا وبعد أسبوع زفت ليلى إلي.
أخرجني صوت ليلى المذعور من تأملاتي علاء أنا أنزف خذني إلى المستشفى، أصابني هلع شديد للوهلة الأولى ثم قلت لها ببرود: هذا أمر طبيعي لا تهتمي. أمسكت ببطنها وهي تقول بألم واضح: ما بك ألا تفهم ابننا في خطر خذني إلى المستشفى أو سأذهب وحدي. رمقتها بنظرة حادة وقلت لها: لن يستطيعوا فعل شيء لك. هنا نظرت إلي نظرة مرعبة حملت في سهامها الاتهامات: ما قصدك هل فعلت بي شيئا. تنهدت بارتياح وقلت نعم لقد أعطيتك حبوب إجهاض، دارت بها الدنيا ووقعت أرضا وهي تبكي بحرقة وهي تقول سأبلغ عنك أيها المجرم، ابتسمت بظفر وقلت لها: لن تستطيعي إثبات شيء فأثر هذه الحبوب لا يمكن كشفه أبدا، تحولت نبرة التهديد في صوتها إلى توسل لآخذها إلى المستشفى، اقتربت منها وجثوت على ركبتي و أمسكتها بقوة من ذراعيها سحبتها إلي قليلا ثم قلت: افهمي لقد مات الجنين وليس لديك ما تفعلينه، ولكن هذا درس لك حتى لا تكرري فعلتك،  أنا لا أريد أطفالا لا الآن ولا لاحقا مفهوم. ودفعتها بعيدا عني، واصلت نحيبها بينما ارتديت ثيابي وغادرت البيت.
مررت بسوق الخردة ولفت انتباهي بندقية صيد قديمة، سألت البائع في لهفة عنها فقال إنها بندقية أثرية فقد  صنعها أحدهم ،منذ خمسين عاما أمسكتها بإعجاب ورحت أتأملها كما لو كنت أتأمل حبيبتي وأتخيل نفسي احملها تماما كهمنغواي سأكتب بشكل ممتاز وهي معلقة فوق رأسي في غرفة مكتبي، ثم لفت نظري اعوجاج في ماسورتها فاختفت ابتسامتي على الفور ورميتها على الأرض قائلا كدت تخدعني أيها البائع فقد ظننتها حقيقية لوهلة، قال البائع بهمس ذلك الاعوجاج متعمد فلو أبقيتها سليمة لدخلت السجن بتهمة بيع السلاح، بدا لي كلامه منطقيا، ثم ماذا  يهمني في الماسورة أنا أريدها للزينة والاستعراض، كما أنها ستكون أيقونة حظي فهذا يوم مهم جدا في حياتي لقد قررت فيه أن اكتب وأنسى كل حوادث الشهور الستة الماضية، وبعد ستة شهور أخرى سأتخلص من ليلى نهائيا و أسترجع حريتي،  سأدعي أنها لا تنجب، ابتسمت برضا وأنا آخذ لفافة البندقية وانطلق عائدا إلى بيتي خاصة أني  أخذتها بربع السعر عندما قلت للبائع أنها بندقية هجينة فكعبها لبندقية بريتا الايطالية أما ماسورتها المزدوجة فهي لبندقية براوننغ فغر فاه دهشة فهو لم يتوقع أني أعرف الكثير عن البنادق، والحقيقة أني لا أعرف شيئا فقد تذكرت بضع كلمات قرأتها في بحث عن أنواع البنادق واستغليت كونه أخبرني أن أحدهم صنعها.
مرت عشرة أيام وليلى في حالة سيئة جدا لم تكن تكلمني أبدا، حتى ضقت بها ذرعا وصرخت في وجهها: لم كل هذا؟ نظرت إلي نظرة جريحة اعترف أنها زلزلت قلبي قليلا وقالت لي بصوت أتعبته كثرة النحيب وقلة الطعام كان صوت حشرجة روحها في الواقع :أنت لن تفهم شعوري يوما و أنا لن أغفر لك ما حييت، لم اطلب منك أن تقترب مني لكنك كنت كلما احتجت إلي لجأت إلى أحضاني تطفئ لهيب رغبتك بدل أن تكبتها بين جنباتك، وأنا لم اطلب الحمل منك ولا أردته،  لكن حين شعرت بتلك الروح العذبة تتحرك في أحشائي حمدت الله لأنها ثمرة حلال، لأنها ستكون أنيس وحدتي، لأني أيقنت أنها ستصبح سندي، عرفت منذ أخبرتك انك غير مهتم لكني لم أتوقع أبدا أن تفعل ما فعلته بي، كيف واتتك الجرأة، كيف مات ضميرك لهذه الدرجة.  لقد أعادني ذلك الطفل للحياة من جديد حين ظننتني مت ليتك تعرف كيف هو الشعور وفي داخلك روح تتحرك وتغذى وتكبر بفضل رعايتك لها، قطعة صغيرة من اللحم تمدك بطاقة عجيبة فرغم ذلك الصغر إلا أنها تحمل قوة الكون بداخلها لقد جعلتني أترنح لشهرين واليوم كنت سأتم الشهر الثالث. لقد كبرت بداخلي أحلام كبيرة  أولها أن اشعر بركلات هذا الكائن في داخلي وأشعر بنبضه بل أسمعه يسبق نبضي تمنيت أن تكون بنتا و أن أسميها أمل و أن اعلمها أن أجمل مخلوق وجد على وجه الأرض...واختنق صوتها بالدموع لكنك اغتلت أفراحي بدناءة لم أتوقعها منك كنت أظن أن بك بعض الشهامة...
استفزتني جملتها الأخيرة وقلت: لقد مت يوم أجبرت على الزواج منك يوم نظر إلي أبي باحتقار وقال لي: إن لم تستر بنت الناس فلا أنت ابني ولا أنا أعرفك. أنا أبي قتلني بعد أن كبرت ووعيت وربيت أحلاما كبيرة، لقد جمع كل قصصي ورواياتي واحرقها مع علمه أني لا احتفظ بأي نسخة عنها، أما أنا فقد كنت رحيما جدا حين قتلت ابن ابن... وتجمدت الكلمات على حدود شفتي للحظة وشعرت بها تلامس شغاف قلبي لمسات حارقة، واصلت بسرعة من يقفز حاجزا: حين قتلت جنينك كنت رحيما جدا فهو لم يولد ولم يكبر بداخله أي أمل لا اشعر بالذنب سوى لأني عرفتك.
لم تقل كلمة بل صمتت وهي تواصل البكاء.
قررت أن أكتب قصتي وهذه كانت السطور الأولى فيها إنها الساعة الثانية صباحا، يجب أن أنام، كانت ليلى نائمة منذ ساعات، لقد تغيرت و أصبحت أكثر هدوءا مما أراحني كثيرا فقد تقبلت الأمر أخيرا، وأنا ازددت قناعة أني أحسنت التصرف.

كنت نائما بعمق حين بدأت في التململ فقد شعرت بشيء بارد يدغدغ وجنتي، ربما حركت رأسي بتململ لكني فتحت عيني حين شعرت بتلك الحافة الباردة تضغط على وجهي بقوة، ضرب قلبي بقوة ثمانية درجات على سلم ريختر من شدة الصدمة، إنها ليلى توجه نحوي بندقيتي وفي عينيها تصميم حاقد بشدة، بلعت ريقي بصعوبة ثم أبعدت البندقية عن وجهي في عنف و أنا أقول بغضب :ماذا تظنين نفسك فاعلة؟ لم تجب، وقفت وإذا بي اسمعها تزمجر إياك أن تتحرك من مكانك وألا أطلقت النار، أصابتني موجة ضحك هيستيري و أنا أتخيل ما سأفعله بها بعد أن تكتشف أن البندقية غير صالحة، ابتسمت ببرود وقالت لي بثقة: كان إصلاحها أسهل مما تتوقع و الأجمل أنها كانت تحتوي على أربع خراطيش. قبل أن أفتح فمي بكلمة واحدة، انطلق صوت مدو وأظلمت الدنيا فجأة وعلا طنين غريب وسمعت صوتها يأتي مقهقها بجنون كأنما تتكلم من أعماق بئر: بلغ همنغواي تحياتي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

فيلم ورؤية

ريفيو

اضبط لغتك